السيدة راضية…سلطانة زمانها

22b37785b204b8be6e89e93602fad449اعداد : مينة البوركي

تعتبر السلطانة الراضية من أهم الرموز التي عرفها التاريخ الإسلامي، إذ جسدت قوة المرأة في المجال السياسي معلنة تفوقها في تدبير شؤون شعبها رغم كل الاعتراضات التي واجهتها من طرف خصوم يعتبرون المرأة غير مؤلهة لتتربع على عرش الحكم.

الملكة راضية من أصل تركي استولت على الحكم بدلهي شمال الهند سنة 634- 673 هجرية الموافق 1236- 1240 ميلادية خلفا لأبيها السلطان شمس الدين إلتتمش وهو أحد العبيد الأتراك الذي أسس ـ بصفته قائدا أعلى ـ الدولة الإسلامية في الهند سنة 626 هجرية، وكان إلتتمش قد عين ابنته راضية ولية لعهده رغم أن له ثلاثة أبناء ذكور، وكان أمر الولاية من المسببات التي زادت الحقد والغيرة بين الإخوة الذكور وبين راضية؛ عداء غدَّته وقوّته دسائس الأمهات.

وقد كان أخ لها من أبيها يدعى ركن الدين غير راضٍ عن العهد إذ كان أكثر تعطشا للحكم ويكنّ حقدا كبيرا لراضية ولأخ آخر له من أبيه. فبعد وفاة والده السلطان شمس الدين إلتتمش قتل أخاه وعمل على مقاومة أخته حيث حرض الأمراء والوزراء على تنحية راضية لصالحه، لكنها لم تستسلم بل استمرت في تولية الحكم.

توجهت راضية إلى شعب دلهي واستغلت تقليدا أسسه والدها لمقاومة الظلم، إذ من مآثره أنه اشتد في رد المظالم وإنصاف المظلومين وأمر أن يلبس كل مظلوم ثوبا مصبوغا، وأهل الهند يلبسون كلهم البياض، فكان متى قعد للناس أو ركب فرأى عليه ثوبا مصبوغا نظر في قضيته وأنصفه ممن ظلمه، وكي يعجل بسير تطبيق العدالة وتمكين المظلوم من أن يطلب المعونة قررأن يضع جرسا أمام باب القصر، فجعل على باب  قصره أسدين مصورين من رخام موضوعين على برجين وفي عنقيهما سلسلتان من حديد فيهما جرس كبير، فكان المظلوم يأتي ليلا فيحرك الجرس فيسمعه السلطان وينظر في أمره للحين وينصفه.

لم تجد السلطانة راضية وسيلة أفضل من هذه لتوضح لشعبها أنها مظلومة، فقررت ارتداء الزي الملوث الذي يرتديه ضحايا الظلم طلبا للمعونة للثأر لأخيها القتيل وتنحية ركن الدين الذي كان يهددها بالقتل هي الأخرى، فاتخذت يوم الجمعة تزامنا مع اجتماع المؤمنين بالمسجد لتنفيذ خطتها لأنها كانت في حاجة لإعلان الأمر، وحين خرج ركن الدين من القصر متوجها نحو المسجد، صعدت راضية على سطح القصر القديم المجاور للجامع الأعظم ويسمى “دولة خانة”، وتناولت الكلمة وقالت لهم إن أخي قتل أخاه وهو يريد قتلي معه، وذكرتهم بأيام أبيها وفعله الخير وإحسانه إليهم فثاروا عند ذلك على ركن الدين وهو في المسجد فقبضوا عليه واتوا به إليها فقالت لهم: القاتل يقتل، فقتلوه قصاصا بأخيه.

استقلت راضية بالحكم أربعة سنين واجتمع المؤرخون على كونها إدارية ممتازة، وتقول بعض المصادر أنها قصت شعرها وارتدت زي الرجال ليس فقط في الحملات العسكرية ولكن للمحافظة على الاتصال بالشعب، ولم يتم مؤاخذتها إلا على شيء واحد هو وقوعها في غرام رجل أقل منها امتيازا يدعى شمس الدين ياقوت عبد حبشي قررت ترقيته بسرعة، مما جعل قادة عسكريين يشكون في حبها له، إذ شرعوا في التجسس عليها ولاحظوا فعلا أنها كانت تستأنس به كثيرا حتى أنها أعفته من عدة مهام كان عليه القيام بها ولقبته بأمير الأمراء.
كما لاحظوا ذات يوم قيامه بحركة جريئة حين شاءت راضية ركوب فرسها إذ وضع يديه تحت إبطيها لكي يركبها الفرس. وشاع الخبر في المدينة بأن السلطانة لا تحترم الأخلاق وتتيح لعبد أن يلمسها، واتفق الناس على خلعها وتزويجها، فخُلعت وزوجت أحد أقاربها.

وعلى إثر ذلك تحالفت السلطات الدينية والأمراء ضدها، وجهزوا جيشا بقيادة الوالي “اختيار الدين“، فخشيت راضية الحصار فغادرت دلهي مع جيشها لمحاربة هذا الأخير لكنها انهزمت وسقطت أسيرة بين يديه، لكن حدث تغير مفاجئ في الوضع، إذ سقط اختيار الدين في غرام راضية أسيرته فحررها وتزوجها وعاد وإياها على رأس جيش كبير لإعادة فتح دلهي والاستيلاء من جديد على عرش محبوبته، لكن من سوء حظها أنها انهزمت هي وزوجها وتقهقر جيشها.

ويحكى أن نهايتها كانت مأساوية إذ تم قتلها ووصف نهايتها ابن بطوطة بقوله: ” فأدركها الجوع وأجهدها الإعياء فقصدت حراثا رأته يحرث الأرض فطلبت منه ما تأكله فأعطاها كسرة خبز فأكلتها، وغلب عليها النوم وكانت في زي الرجال، فلما نامت نظر إليها الحراث وهي نائمة فرأى تحت ثيابها قباءً مرصعا فعلم أنها أنثى فقتلها وسلبها وطرد فرسها ودفنها في فدانه وأخذ بعض ثيابها فذهب إلى السوق ليبيعها، فأنكر أهل السوق شأنه وأتوا به إلى الحاكم فضربه فأقر بقتلها، ودلهم على مدفنها فاستخرجوها وغسلوها وكفنوها ودفنت وبني على قبرها قبة”
ويقال بأن قبرها الآن يزار ويتبرك به ويوجد قرابة شاطئ النهر الكبير المعروف “بنهر الجون”      

المصدر: “سلطانات منسيات” للراحلة فاطمة المرنيسي ~ ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل               

شارك برأيك

تعليق

لا تعليقات

اترك رد