المناضلة “آسية الوديع”: مزيج بين الأمومة والأسى والوداعة

آسية الوديع

إعداد: لمياء باجالات

لقبت ب“ماما آسية” وليس هناك أسمى من معاني الأمومة وأوصافها ليكون لقبا لها، لقب نبع من قلب السجون وقلوب السجناء الذين لا يعرفون للمجاملة طريقا، هي امرأة بألف امرأة نقشت على دربها مبادئ الإنسانية والعطاء وورثت النضال والكفاح وحب الوطن ليكتب للنضال عمر جديد في جسد وروح آسية الوديع.
آسية من الرموز النسائية التي أنجبتها أرض المغرب وترعرعت في جنباته مُراكِمةً مسيرة تعج بالعمل الصادق والإنساني والأعمال الإجتماعية والنضالية والمعاملات الأخلاقية القيمة التي توارت عن مجتمعاتنا الحالية.
المرأة التي حملت الأمومة بحنانها وعطفها وودها ووداعتها إلى داخل القضبان، لتشعر وتستشعر معاناة السجناء وتتقاسم معهم همومهم وتمدهم من مدخراتها من الحب الذي لا ينضب، وتضمد جراحهم وجراحها لم تضمد بعد.
في مدينة آسفي سنة 1949 جاءت إلى الوجود الطفلة آسية من أسرة اتخذت النضال شعارها ومنهجها في الحياة، الأب محمد الوديع الأسفي الذي قضى حياته في التجوال بين السجون المغربية، بتهمة الدفاع عن الوطن والوطنية في عهد الاستعمار الفرنسي والأم الأديبة ثريا السقاط التي تكبدت هي الأخرى عناء نضال من نوع آخر في وقوفها إلى جانب زوجها ومساندتها له.
قضت آسية طفولتها في الترحال بين المدن المغربية التي كانت في كل مرة تحتضن سجونها ومخافره
ا الأب الوديع الأسفي ،وقد كانت آسية مولوعة بالمطالعة وكان السبب في ذلك اصطحاب أبيها لها لحضور الأنشطة الثقافية بمدرسة النهضة بمدينة سلا لتتابع سنواتها الأولى بذات المدرسة، ثم استأنفت ترحالها بين جهات المملكة المغربية إلى مدينة الخميسات وسيدي بنور التي أنهت بهما المرحلة الإبتدائية، ثم إلى مدينة الدار البيضاء التي درست بها المرحلة الثانوية.

وقد عانت آسية في البداية من رفض الفتيات لها في ثانوية الفتيات التي كانت تدرس بها لتتغير نظرتهن لها بعد ذلك بعد ثبوت تفوقها الدراسي حيث كن يرفضن جلوسها إلى جانبهن في الفصل. وقد أثبتت آسية ولعها باللغة العربية وميولها الواضح للشعر والأدب، كما يذكر أنها كانت تتسابق وأختها أسماء من منهما ستظفر بكتب والدها الذي كان يصطحبها إلى المنزل، وقد عرفت بحبها للعديد من الكتاب والشعراء العرب كالمتنبي وأبو نواس والمنفلوطي ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وغيرهم. ومع كل هذا الحب الذي تكنه للآداب كانت ترغب في ولوج كلية الآداب بفاس لكنها لم تتمكن من ذلك لأن والدها رفض ابتعادها عنه فالتحقت بكلية الحقوق لتتابع دراستها الجامعية بنفس المدينة لتنفتح على عوالم الحياة السياسية والاجتماعية بالإتحاد الوطني لطلبة المغرب ثم بالنقابة الطلابية فمن هنا طفحت شرارات تنم عن ميول آسية للعمل الجمعوي والاجتماعي.
تقلدت منصب قاضية النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بمدينة الدار البيضاء في الفترة ما بين 1971 و1980 ، ثم انتقلت لتقضي فترة من التدريب بالمدرسة العليا للقضاء بباريس، وانضمت فور عودتها مابين 1981 و1984 لهيئة المحامين بسطات ثم بالدار البيضاء ما بين 1984 و2000.
تقلدت آسية منصب قاضية سنة 2000 بإدارة السجون، ومع مرورها بين مهنة المحاماة والقضاء ازداد حزم آسية واستنتجت أن الدفاع عن الحقوق واجب لا تؤطره المهنة. 
استشعرت آسية معاناة السجناء واتخذت من الدفاع عن المظلومين ونصرتهم هدفا، وكان ما يشغل تفكير آسية أكثر هم الأحداث والجانحين الأطفال الذين زُجَّ بهم خلف القضبان. كانت آسية تستشعرهمهم وتناضل لأجهم، تجمع التبرعات من المقربين وتخصم من راتبها لتقدم يد العون لهم. وقد كلفت بمسؤولية الرصد والمتابعة داخل المرصد الوطني للسجون فور تكونه، لتتفرغ آسية لزيارة السجون والاستماع لانتظارات السجناء، وقد عاينت آسية الواقع المرير للسجناء عن كثب وأخذت على عاتقها مسؤولية قلب الوضع رغم ضعف الإمكانيات.
قدمت آسية يد العون للطفولة المغربية التي رمت بها سهام القدر وسوء التنشئة والتربية في أحضان السجون، فأحب الأطفال آسية ونادوها “ماما آسية”.
استأنفت نضالها بكل جد لإصلاح أوضاع الطفولة المسجونة وقد كلل نضالها بعد سنة بزيارة الملك محمد السادس، ثم إحداث مؤسسة محمد السادس التي أدخلت مفاهيم جديدة تبث الأمل في السجون المغربية من إعادة الإدماج ومد يد المساعدة النفسية والدعم وتوفير برامج متكاملة لإصلاح ما أفسده المجتمع في هؤلاء السجناء. لتكون آسية المرأة التي غيرت مفهوم السجون لما كان عليه قبل الاستقلال وبعده إلى سجن يرمي إلى الإصلاح وإعادة الإدماج والتصالح مع الذات. ليس هذا فحسب بل كانتآسية الوديع آسية كذلك عضوة نشيطة في عدد كبير من جمعيات المجتمع المدني: كانت عضوة مؤسسة لجمعية أصدقاء مراكز الإصلاح وبمؤسسة المنظمة المغربية لحقوق الإنسان وبمركز الانتماء والتوجيه للنساء ضحايا العنف.
كرست آسية الوديع حياتها للنضال الإنساني وحققت مكاسب عديدة في مجال الدفاع عن حقوق السجناء خصوصا دون سن 18 منهم، وإدماجهم في المجتمع والنساء ضحايا العنف، ونسيت بذلك آسية أن لجسدها عليها حق فقد عانت من مرض عضال لمدة طويلة لتنتقل إلى عفو الله صباح يوم الجمعة 2 نونبر 2012 على الساعة 3 صباحا. لكن آسية الوديع مازالت حية في الذاكرة نموذجا للمرأة المغربية المناضلة التي حاكت معاناتها وحياتها الصعبة نجاحا ونموذجا لن ينسى .
لم تكن ماما آسية في يوم من الأيام ممن أسالت لعابهم عظمة المناصب ولم تكن ممن أغرتهم متاهات الحياة ولم تكن ممن اتخذوا من جدية القضايا معبرا بخسا للشهرة وتكديس الأموال على حساب القضايا الاجتماعية فعلى قدر بساطة ماما آسية على قدر عمقها، امرأة لا تعرف للمستحيل معنى، امرأة رغم كل ما عايشته في حياتها من أسى أبانت على أن الحياة تنبع من اللاحياة، والأمل يسقى من المعاناة والأسى، وعلى أن المرأة معطاءة، وقادرة على أن يكون لها صدى ومكانة وكلمة في قضايا مجتمعها، المرأة قادرة على أن تنثر أمومتها على الطفولة جمعاء وليست أية امرأة، إنها آسية الوديع الأسفي.

——————————————————-
المصادر المعتمدة :
ويكيبيديا الموسوعة الحرة / آسية الوديع
الفيلم الوثائقي للمناضلة آسية الوديع
مقالة عن المناضلة آسية في الصحيفة الإلكترونية هيسريس لكاتبها د.عبد الرحيم العطري

شارك برأيك

تعليق

لا تعليقات

اترك رد