آخر الأخبار
أنت هنا: الرئيسية / جنتي / رئيسة جمعية الإعاقة إشراقة: “حلمت ككل الأمهات، و الله منحنى أكبر مما حلمت به”

رئيسة جمعية الإعاقة إشراقة: “حلمت ككل الأمهات، و الله منحنى أكبر مما حلمت به”

لطيفة أهرام رئيسة جمعية “إشراقة لتحسين حياة الأشخاص في وضعية إعاقة” في حوار مع “جنتي”

لطيفة أهرام رئيسة جمعية الإعاقة إشراقة

  ˝ ككل الأمهات، كنت أحلم بابنة تمشي وتلعب وألبسها الفساتين، لكن علمت أن الله منحنى أكبر مما حلمت به. منحني ابنة رائعة، على يدها تلقيت التربية الحقيقية: الصبر والحب وقوة الصلة بالله. الشخص المعاق ليس الذي لا يحرك يديه أو رجليه، بل الذي لا يحرك إرادته وطاقته˝


حاورتها كريمة العرفاني

حدثينا عن قصتك مع ابنتك ليلى

أنجبت ليلى في يوم ممطر جميل، لكنها لحظة الولادة لم تصرخ، فقد كانت على حافة الموت بسبب خصاص في الأكسجين،ولم يتم إنقاذها إلا في وقت متأخر مما تسبب لها في إعاقة حركية. لم أكن أفهم وضعها جيدا، لمدة 5 سنوات وهي تعاني وتصرخ يوميا ولا تسكت وحركاتها بطيئة، العديد من الأطباء لم يفهموا وضعها وكان لدي إحساس بوجود مشكل صحي كبير. إلى أن ذهبت بها إلى إحدى الطبيبات المقتدرات، وكانت تلك هي لحظة التغيير في حياتي، رأيت حالات أسوء بكثير من حالة ابنتي وتعلمت الطرق التي يجب أن أتعامل بها مع ابنتي بدل البكاء والخوف الهستيري. اكتشفت أهمية الترويض وأخذت تعليمات قاسية من أخصائية نفسية،عاتبتني وأخبرتني بأن ليلى ذكية ولها قدرات وطاقات قد أكون سببا في طمرها. نصحتني: “إذا قمت بكل واجباتك تجاهها وأكلتها وألبستها ولازالت تصرخ فضعيها على الأرض واتركيها تتحرك ولا تأبهي لصراخها”

طبقتُ النصيحة، تقوت نفسي ولمست النتائج الإيجابية فبدأ حلمي في أن أنصح الأمهات اللاتي يعانين مثلي، فكنت كلما لقيت أما منهارة أنصحها بما يجب أن تقوم به
ليلى تعاني من إعاقة حركية لكنها تحسنت جيدا وصارت مستقلة، وهي الآن ترسم، وتحفظ القرآن،وتحضر الدورات،و لها أسلوب مميز في الحوار والخطابة حتى أنها تؤثر في الأمهات بخطاباتها.

كنت أحلم بابنة تمشي وتلعب وألبسها الفساتين، لكن علمت أن الله منحنى أكبر مما حلمت به، منحني ابنة أجمل من الياقوت، على يدها تلقيت التربية الحقيقية، علمتني الصبر والحب وقوة الصلة بالله

ما هي أصعب اللحظات التي مرت عليك كأم لابنة في وضعية إعاقة

اللحظة التي بدأ فيها أخ ليلى بالمشي، أجهشَتْ بالبكاء وهي تقول: لماذا هو يمشي وأنا لا؟؟، قواني الله في تلك اللحظة فعانقتها وقلت لها في يقين: الله قدّر له المشي وأنت  لم يرد لك ذلك لأنه يعلم أن فيك أشياء أخرى جميلة جدا ويريد منك أن تبرزيها، لو أنك تمشيت وألهاك المشي ما كنت لتقومي بتلك الأشياء

الواقعة الثانية عندما دخل ابني المدرسة، وكانت تراه وتسمع أصوات الأطفال الذاهبين إلى المدرسة من الشارع.كان عمرها آنذاك 10 سنوات، فتأزمت نفسيا وكانت تقول لي بأن حزنها ليس بسبب كونها لا تمشي بل لأنهم لم يتيحوا لها فرصة دخول المدرسة لتتعلم ككل أقرانها. سبق أن أدخلتها روض الأطفال ولم أجد أي مشكلة وتلقيت تعاونا مشكورا من طرف المربيات، لكنها حرمت من المدرسة العمومية خصوصا بسبب بُعد المدارس التي تتوفر على أقسام الدمج. فاتخذت قراري حينها واشتريت لها مقعدا مُشابها لمقاعد أقسام المدرسة وسبورة وخصصت لها برنامجا خاصا والتزمت به حتى أني كنت أمنحها  فترة استراحة تلعب فيها وسط الحصص. وانتهى بنا الأمر إلى قسم الدمج بإحدى المدارس رغم بعد المسافة

كيف جاءتك فكرة تأسيس وتسيير جمعية تُعنى بالأشخاص في وضعية إعاقة؟

 لما رأيت من معاناة أمهات الأطفال ذوي وضعية إعاقة وإحباطهن واستسلامهن للوضع، خصوصا أثناء احتكاكي بهن عندما أدخلت ليلى لقسم الدمج بالمدرسة العمومية، أتتني فكرة تأسيس جمعية لتوعية الأمهات والأسر وخدمة هؤلاء الأبناء.

سبق لي أن انخرطت سنة 2001 في إحدى الجمعيات التي لا تحمل من الاهتمام بهذه الشريحة إلا الاسم، لم أستفد أكثر من بطاقة للبنت، لم ينادواةعلي طيلة السنة إلى أن انتهت صلاحية البطاقة فدعوني لتجديدها- لم يكن هذا ما أريد لابنتي مجرد بطاقة !
انخرطت بجمعية الآباء التابعة للمدرسة ولازال لدي إحساس بأن هناك شيئا لم أفعله بعد، هنالك شيء لم أكن وجدته في وقتٍ كُنت بحاجة إليه، والآن أريد أن أقدمه للأمهات.
ثم وقع حادث إنساني مؤلم آنذاك، تمثل في احتجاز طفلة في وضعية إعاقة من طرف والديها بالسيارة، ذهبا للتنزه وتركاها لمدة 7 ساعات، بلغنا الشرطة كجمعية آباء لكن القانون الأساسي لم يكن يتيح لنا الحق في ذلك، فقررنا تأسيس جمعية تدافع عن حقوقهم وتسهم في إدماجهم الفعلي منذ الولادة. وكان لنا ذلك بتأسيس جمعية “إشراقة لتحسين حياة الأشخاص في وضعية إعاقة”

عنوان جمعيتك يتضمن مصطلح ‘إعاقة’ وهناك من لا يقبل بهذا المصطلح، ألا يسبب لك مشكلا

ليس لدي مشكل مع هذا المصطلح لأن هؤلاء الأشخاص هم حقا في وضعية إعاقة، ويلزمنا أن نتقبل هذه الوضعية لأنه إنسان أولا وأخيرا، بعض الناس ينتظرون زوال الإعاقة ليعتبروا أنهم بخير، لكني أقول أننا نستطيع أن نكون بخير مع وجود وضعية الإعاقة، لأن الاختلاف سنة الله في الأرض وله حكمة عظيمة. يلزمنا فقط العمل الدؤوب لتسهيل تكوين وإدماج هذه الشريحة التي تمثل زهاء 2 بالمائة من المجتمع المغربي، ولا يمكن أن نحقق تنمية لهذا البلد إذا تم إهمالهم. لابد من الاهتمام بهم لأنهم يملكون طاقات ومواهب ويملكون قدرات خارقة أحيانا ولنحقق لهم الاستقلالية ولا يصيروا عالة على أسرهم. فلماذا نحرم أنفسنا من هذه النعم الربانية لمجرد أنهم أشخاص لا يشبهوننا.
أما مصطلح “ذوي الاحتياجات الخاصة” فلا أعتبره مصطلحا دقيقا، فأنا مثلا لا أعرف اللغة الأمازيغية ولي حاجة في تعلمها وبالتالي فأنا كذلك من ذوي الاحتياجات الخاصة.
أما مصطلح الشخص “المعاق” فلا أقبله لأن هذا النعت قد ينطبق على شخص يحرك يديه ورجليه لكنه معاق أخلاقيا أو إراديا إن كان لا ينجز ولا يتحدى.

 كيف توفقين بين البيت وتسيير الجمعية علما أن ليلى بحاجة إلى رعايتك وحضورك

صارت ليلى بفضل الله مستقلة وأكثر اعتمادا على نفسها منذ 2005سنة وهذا ساعدني كثيرا على استغلال أوقات الفراغ في العمل التوعوي والجمعوي وليلى تعرف عندما أخرج أنني ذاهبة لأداء رسالتي، وهي تشجعني على ذلك 
صحيح أنني أتعب أحيانا كثيرة لكن ليلى تحفزني وهدفي يحفزني ورغبتي في الانجاز أكبر عندي من كل المعيقات والتعب

كيف تعملين في إطار جمعية “إشراقة” على تحقيق  الهدف الذي تطمحين إليه  

نقوم بتكوينات للأسر والأمهات بالخصوص حول الإعاقة والتعامل معها. تأتي الأمهات بوجه عبوس ونفسية محبطة  مكتئبة وتشتكي من كلام المجتمع ونظرته فيكون دورنا إعادة الأمل إليها وزرع الثقة واليقين وجعلها تتقبل وترضى وتحب ابنها وتحسن رعايته.
 أما تغيير المجتمع فيبدأ من تغيير الأسر ومما يندى له الجبين أن هناك أسرا تخفي ابنها أو تحبسه في غرفة أو قفص وتعامله على أنه عيب ووصمة عار. هنا يجيء دورنا في تكوين هاته الأمهات في كيفية الرعاية والتعامل وخطابنا يشمل جميع المواطنين ولكل منا دور يجب أداؤه في دعم هذه الفئات وأسرهم،
غالبا ما لا تخلو عائلة أو مجمع سكني من طفل في هذه الوضعية، هنا مثلا نقترح لفتة إنسانية وأخلاقية على جارة الأم المعنية أن تتكفل يوما أو نصف يوم في الأسبوع مثلا برعاية الطفل لتخرج أمه للاستجمام والترويح عن النفس وتغير الروتين وتستمد طاقة جديدة.

من خلال تجربتك الشخصية والجمعوية، نريد منك مجموعة من النصائح الأساسية لأمهات الأطفال في وضعية إعاقة

أنصحهن بالتقبل التام والحب اللا مشروط، لأن هؤلاء الأطفال بحاجة إلى أوقات إضافية وعناية خاصة.
أنصحن بالصبر ثم الصبر ثم الصبر وأن يطبقوا نصائح الخبراء والأطباء ويمارسوها بشكل يومي، فالطفل الذي يعاني من مشاكل النطق مثلا قد يخصص له الطبيب حصة نصف ساعة فقط ويبقى للأم اليوم كله عليها أن تستغله في تلقينه وتستعين بالتقنيات الحديثة كالمرئيات والصوتيات والانترنت. والطفل الذي يعاني من مشاكل حركية قد يستفيد من حصة الطبيب في الترويض لمدة قصيرة غير كافية، وعلى الأم أن تستغل باقي اليوم في حركات الترويض ولا تجزع إذا لم تر نتائج فورية فالنتائج لا تتأتى بعد شهر أو شهرين. لابد من الإيمان بمبدأ التكرار وإلغاء الزمن، فعن تجربتي الشخصية لم ألمس ثمار الترويض الذي مارسته لليلى إلا بعد 3 أو 4 سنوات من الالتزام والعمل الدؤوب. ومن المهم جدا تلقينهم نزع الحفاظات والصبر على ذلك، لأن عجزه في هذا الجانب يحطم نفسيته خصوصا مع التقدم في السن. والترويض ليس بالأمر السهل فقد يتألم ويبكي، لكن مادامت الأم تؤديه بالشكل الصحيح وبحب وتشجيع فلا داعي أن تتأثر لذلك، وإن تعبت هي من الترويض فلتقم بالتدليك ولا تيأس وتتوقف.
وليس شرطا أن تجد النتيجة حتى بعد مدة طويلة، الأهم أن تؤدي واجبها لأنها ستُسأل عن تقصيرها أمام الله إن تعمدته.
الدعم النفسي أمر بالغ الأهمية، أنصح الأمهات ببث الرسائل الإيجابية  مع غرس عزة النفس في أطفالهن كي يتقبلوا أنفسهم ولا يتأثر تقديرهم الذاتي بوضعيتهم التي أرادها الله  تعالى حكمة منه. وألا يسقطن في فخ التعامل بالشفقة والتفضيل بينهم وبين إخوانهم بحجة وضعيتهم، بالعكس، يجدر أن تتعامل الأم بالعدل والمساواة بينهم حتى يومنوا بأنهم أشخاص عاديون مُطالبون باحترام ذواتهم كما احترام الآخرين، لهم حقوقهم وعليهم واجباتهم

أقول لكل أم إذا كان لديك ابن في وضعية إعاقة فهو يعطيكِ أكثر مما تعطينه، يعطيك حقيقة الحياة ومعرفة الله ويجعل الرابط بينك وبين الله عز وجل قويا :  لقد ربتني ليلى التربية الحقيقية، علمتني الصبر فقد كنت شخصية جزوعة ولا أصبر، وعلمتني الحب والإيمان.

هل تلقيت دعما من زوجك، وكيف تقيمين دعم الأزواج في مجموع الحالات التي تعاملت معها بالجمعية

كان زوجي يعاني في صمت ولا يجزع، أعترف بفضله الكبير في تقبل حالات الهستيريا النفسية التي كانت تنتابني سابقا، حتى أني كنت بمجرد الخروج من عند طبيب غير مقنع أطالبه بالذهاب صوب طبيب آخر وكان يتقبل الأمر ولا يمنعني من ذلك. بالنسبة للأمهات اللاتي تعاملت معهن أقدر نسبة المدعومات منهن من أزواجهن ب50 بالمائة فقط. منهن من يطلقها زوجها ومنهن من يتخلى عنها أو يتزوج عليها ومنهن من أسيء إليها من قبل عائلته، وفي المقابل منهن من يمثل الزوج مصدر قوتها ودعمها، وهذا هو الأمر المفروض.   

   

شارك برأيك

تعليق

عن جنتي

اضف رد

إلى الأعلى