نسوانيات في مواجهة الأنذال

mlihat
الأستاذة نزهة مليحة

تبدأ اللقاءات-كالمعتاد- بشيء من السحر، يخبرها ما تحب سماعه وتنتهي لقاءاتهما بحمل غير متوقع وغير مرغوب فيه من كليهما..عندما تقرر إنجاب الطفل تفاجأ بأنه يتنكر لها و لطفله، و تخوض حربا كريهة في أروقة المحاكم لكي يخبروها في النهاية أن النفقة مشروطة بعقد الزوجية و انه ليس ملزما بالإنفاق على طفله حتى بعد أن أثبتت الفحوصات نسبه البيولوجي إليه..

هكذا فقرار العلاقة غير الشرعية كان قرارهما معا، ولكن مصير الطفل الناتج عن هذه العلاقة يبقى شأن المرأة وحدها: “الفاجرة التي سمحت لنفسها بمعاشرة رجل خارج إطار الزواج، يمكن ان تكرر فعلتها مع اي رجل آخر، اي خير يأتي منها او من ابن الزنا الذي أنجبته الى العالم؟” يقول الأنذال من الرجال، نفس الأنذال الذين يُقبِلون بحماس على فسحات تحرر تمنحهم العديد من الشريكات ثم عند ظهور أول مشكلة يتمترسون ،بكل جبن، خلف موروث محافظ من الأحكام الأخلاقية الصارمة التي تكيل تهم العهر والفجور و الغواية للمرأة و لا تحمل الرجل أدنى مسؤولية عن افعاله..”حيتاش هو راجل”

“الراجل” الذي يعدد، أمام الجميع،وبكل فخر، مغامراته مع النساء، ولكنه عندما يقرر الزواج يبحث عن صبية طاهرة لم “يطأها” احد قبله. ومهما تقدم به العمر فلا بد ان تكون سعيدة الحظ مراهقة يافعة. ومهما بلغ من قبح خلقته فلا بد ان تكون حبيبته آية من الجمال. ومهما بلغ وجوده من التفاهة فلا بد ان تتفرغ لخدمته. ومهما كان جاهلا فلا يصح ان تبدو اكثر علما منه. وحتى لو كان معدما على جميع الأصعدة ،فليس عليه بذل اي مجهود لتحسين وضعه فيكفيها أنه “رجلها” ، جنتها و نارها بيديه.
تجد الواحد من هؤلاء الأنذال يتبرم من خروج المرأة الى مجال الشغل و لكنه يبتز زوجته الى ان يحصل على بعض او كل راتبها، فإن لم يستطع تركها تواجه تكاليف حياتهما المشتركة بمفردها.
لا يترك فرصة لتذكير زميلاته في العمل بدورهن التقليدي في الانجاب والطبخ، وان كانت الواحدة منهن اكثر منه كفاءة نعتها بالمسترجلة و سخر من زوجها ان كانت متزوجة و تفكه من استحالة ارتباط اي رجل حقيقي بها ان كانت غير متزوجة.
في البيت، يعتقد ان الأنثى خلقت لخدمته،قد تكون والدته امرأة مسنة،ومع ذلك فهو يفرد ساقيه أمام التلفاز في كسل منتظرا ان تقتني الأم المشتريات من خارج البيت وتطبخ وتجلب الطعام الى المائدة ثم تقوم بتنظيف المطبخ بعد ذلك..ان كان متزوجا فزوجته تحل محل أمه في كل ذلك، وان اعترضت قائلة بعدم وجود مبرر ديني او بيولوجي يجعل تلك الاعمال حكرا عليها وحدها وبأن الحياة المشتركة يجب ان تقوم على التعاون وتشارك المهام، صرخ في وجهها: “ها علاش ماكنحملش لعيالات لي دايزة ليهم لفهامة !”
في الشارع عندما يختلف مع إحداهن يشتمها ببذاءة مستعرضا فحولته المفترضة، فالفضاء العام في تمثله لا مكان فيه للمرأة وكل الوسائل مسموح بها من العنف اللفظي مرورا بالتحرش وصولا الى الاغتصاب، والهدف واحد: اعادتها الى البيت،مكانها الطبيعي.
الأنذال من الرجال غير قادرين على رؤية الانسان بداخل المرأة (و في العمق هم عاجزون عن رؤية الانسان بداخلهم هم أنفسهم)، عندما ينظر الواحد منهم إليها لا يرى غير جسد يصلح وعاء لمتعته الخاصة، وربما تكون طريقا الى الثروة او النفوذ ان كان ذلك ممكنا،فإن لم يكن ثمة جمال ولا مال و لا جاه فهي مجرد “خْطِية” يجدر تذكيرها بلا جدواها بمناسبة او بدون مناسبة.
يعاني الرجال المحترمون هم ايضا من خسة الأنذال، إن أراد أب محترم لابنته فرص تعليم مكافئة لما يحصل عليه الذكور،حاصروه بكلمة “حشومة”
إن وقف ابن محترم في المطبخ لإعداد الطعام لأسرته سخروا من كونه “لعزبة ديال الدار”
إن ترك راكب محترم في وسيلة نقل مقعده لامرأة تمتموا في امتعاض: “هن يردن المساواة !”
ان رفض رجل محترم تعنيف امرأة أساءت إليه صرخوا في وجهه مهددين : “ما فيديكش !”
إن ساند زوج محترم شريكته في تحقيق انجاز يعني لها و يسعدها، تضاحكوا من كونه “راجل لمرا”
وإن لاحظوا إخلاصه لزوجته و التزامه بحياتهما معا سألوا مستنكرين: “آش موكلاه هاد خيتي ؟!! ”
كلما تعاظم احساس هؤلاء برجولة وهمية و زادت ثقتهم في تفوقهم الطبيعي لمجرد انهم ولدوا ذكورا كلما اعتقدوا ان الذكورة تمنح الحق على كل الأشياء وكل النساء، وتمنح بالتحديد الحق في جعل النساء والأشياء سواء.لذلك ففي مجتمع ذكوري متطرف لا بد ان نتوقع ظهور نسوانيات شرسات،فالمرأة لا تولد نسوانية ولكن الأنذال من الرجال يجعلونها كذلك.

شارك برأيك

تعليق

لا تعليقات

اترك رد