هل ينبغي أن نتفاءل بالمصائب؟

sad-optimistic~ كريمة العرفاني


من حسنات المصائب والأزمات أنها محك اختبار للقيم التي نعتقد بها في قرارة أنفسنا إن كانت حقا راسخة أم هشة، وأنها من أكثر الوسائل فعالية لتلقيننا الدروس التي لم نحصّل في المدارس والجامعات، وعلى رأس هذه الدروس إدراك المعنى الحقيقي للحياة.

تنكشف حقيقة جل المبادئ التي نؤمن بها أو ندعي إيماننا بها في المحطات الحرجة من حياتنا، فمهما ادعى المرء من الصدق حتما ستنكشف حقيقة صدقه حين يتورط في مأزق أو خطأ ما فيلوذ إلى إنكار الحقائق واختلاق الأعذار هروبا من المحاسبة. ومهما ادعت المرأة من الحب والتضحية لزوجها فقد تنكشف ماديتها حين يمر بأزمة مالية خانقة، ليتضح أن الذي جمعها به حقيقةً لم يتعدى منصبه وحساباته البنكية. ومهما ادعى الرجل من الحب والوفاء لزوجته فقد ينكشف زور ادعائه عند سقوط شريكته في وعكة صحية صعبة أو حين يفقد الأمل في أن تنجب له..

تستشفُّ عمقَ الإيمان لديك وأنت في ضيقٍ طال زمنه وتأخر فرَجه ولم تتضح أية معالم لزواله، رغم كل ما تسلحتَ به من الدعاء والتوكل واليقين وكل ما بنيته على ذاك الأساس من أحلام وآمال.. وترى نفسك في مرآة نفسها إن كان رجاؤها حقا متعلقا بالخالق وقدرته أم بالمخلوقات والأشياء.

تزيل بعض الشدائد غشاوة عينيك كي ترى جوهر نفسك وترنحها بين الثبوت والاعتلال، وتفتح لك عينيك بنطاق أوسع كي تدرك حقيقة خصال ومشاعر كثير ممن يحيطون بك. وحين يحل الرخاء تظل شاكرا للشدة التي كشفت لك عن خذلان فلان أو تفاني علان، وفي ذلك نظم المتنبي :
جزى الله الشدائد كل خير *** عرفتُ بها عدوي من صديقي

وعلى مستوى أنضج تظل شاكرا لها لأنها شرّحت جهازك النفسي وأظهرت لك نقاط السواد التي ينبغي أن تعالجها فيك.

لعلنا نستقي من المحنة الواحدة دروسا لا يمكن أن نستقيها من مئات المنح، لذلك نجد معظم حكماء العالم عبر التاريخ مروا في حياتهم بكثير من الأذى والكروب، يقول المؤرخ أحمد أمين: لا شيء يصيرنا عظماء مثل الألم العظيم !

وكثير من الأنبياء وخاصة أولو العزم منهم تعرضوا في حياتهم للمحن الشديدة وكان لصاحب المقام المحمود نصيب كبير من ذلك. فالطريق إلى الكمال الروحي والاستنارة النفسية مليء بالعقبات وهو أشبه بطريق ذرة الكربون في رحلة تحولها من الجرافيت إلى الماس إذ تتعرض إلى درجات مرتفعة جدا من الحرارة ودرجات عالية جدا من الضغط قبل أن تتحول من قطعة فحم بخسة إلى قطعة من الماس الثمين.

وعلى رأس الدروس المستقاة من المحن فهم حقيقة هذه الحياة، حتى لا تغرّنا بزخرفها وزينتها فنموتَ دون أن نفطن لقيمتها. فهي إذن رسائل الله توقظنا من غفلة الركون حتى لا نتعرض لسؤال الآخرة: ﴿ أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّر؟َ ) ( فاطر :37)

نتألم من حين لآخر لنتذكر أننا في دار ابتلاء وفناء، لنستشعر افتقارنا إلى رب الأرض والسماء، لنستدل على اسم الله القهار واسمه المجيب .. لنتعلم الصبر والرضى والشكر.. لنتذكر أننا لم نأت الدنيا لنستقر بها بل لنُمتحن في إيماننا ومبادئنا..

ورغم مرارة النوائب، فإن في طياتها رحمة مبطنة قد لا تظهر إلا بعد زمن طويل. يكفي أن نتوقف قليلا في خضم زحمة الحياة وضجيجها، لنتذكر في لحظات هادئة شريط الأحداث الأليمة التي شهدتها محطات من عمرنا، لنجد أن مرارتها أفلت وحلت محلها السكينة والحكمة. بل سنجد أن بعض المصائب كانت غاية الرحمة وغاية اللطف الإلهي.

ودون الرحمة والحكمة الخفية، عادة ما يعقب كل شدة فرح عظيم. وقد جعل الله العسر بين يسرين إذ قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرَا ﴾ ( الشرح :5ـ6) كما أن الفجر يسبق أحلك ساعات الليل سوادًا.
فهل نستطيع أن نصل بأنفسنا إلى المستوى الذي نستقبل فيه الأقدار المؤلمة برحابة واطمئنان؟

عـلـمـتني الحياةُ أنَّ لها طعـْ***ـمَـيـن، مُـراً، وسائغاً معسولا
فـتـعـوَّدتُ حـالَـتَـيْها قريراً***وألـفـتُ الـتـغـيير والتبديلا
أيـهـا الـناس كلُّنا شاربُ الكأ***سَـيـن إنْ عـلقماً وإنْ سلسبيلا
نـحـن كالرّوض نُضْرة وذُبولا***نـحـن كـالـنَّجم مَطلعَاً وأُفولا
نـحـن كـالـريح ثورة وسكوناً***نـحـن كالمُزن مُمسكاً وهطولا
نـحـن كـالـظنِّ صادقاً وكذوباً***نـحـن كـالحظِّ منصفاً وخذولا
قـد تـسـرِّي الحياةُ عني فتبدي***سـخـريـاتِ الورى قَبيلاً قَبيلا
فـأراهـا مـواعـظـاً ودروساً***ويـراهـا سـواي خَـطْباً جليلا

* الأبيات من قصيدة ‘الرضا’ لمصطفى حمام

 

شارك برأيك

تعليق

لا تعليقات

اترك رد