السعادة المستعصية

dsc_0285_2-85


بقلم: رشيدة الركيك

كثيرا ما تجتاحنا أحاسيس نستطعم من خلالها النعم ونتأمل أنفسنا في حضور غيرنا بنوع من الرضا.
نقرأ عن أنفسنا من خلال صفحات ذكرياتنا، نسطرها كما سطرت نفسها في أذهاننا الموشومة بلحظات من الألم و المعاناة، لكنها لم تكن لحظات يأس وسخط. وكأننا نتكلم عن موعد فرح محتوم و قد علق بأذهاننا انتظار ليسر بعد كل عسر، بل كلما اشتد العسر ندرك أكيد أنها ستفرج من ينابيع الأمل.

تعلمنا أن الألم من صفات الحياة و وجه من وجوهها، بل إنه صفحة من صفحاتها المطوية، و الأكيد أنه لم يكن يوما أبديا.
تعلمنا أن في الحرمان مناعة، وأنه سر وجود الأماني و الأمنيات، بل إنه كلما اشتد الحرمان كانت الرغبات أشد و على قدر الحرمان تأتي العزائم.
وكأنه نوع من التوازن النفسي، نستطيع من خلاله أن نستطعم كل جميل و نبحث عن جمال أكبر، وفي ذلك إقرار لكل الممكنات وإقرار لاستحقاقنا لنصيبنا من السعادة.
كنا نرى في لحظات الألم وقفة تأمل وتريث ومعالجة وتحليل. كان يختلط الفكر بالعواطف لتنتج كتابات قد نسميها هواجس أو خواطر. تمر السنين لنقرأها فنحس بأحاسيسها و لكن بلغة اليوم و بأحداث اليوم و بهمسات اليوم، لقد كان صمودا في وجه المستقبل المجهول، بل هي نوع من الاستمرارية بين الماضي و الحاضر باعتباري أنا هو هو.
لقد اجتمع الفكر والإحساس ليخلق تناغما فريدا من خلال التواصل الإيجابي مع الذات و تقبلها وحسن تقديرها. إنه التصالح مع الذات الذي منحتها، فأعطتك قدرة على مواجهة التحديات و تقبل فكرة التغيير المستمر على صفحات حياتك. لقد كنت مقتنعا باستحقاقك لسعادة أكبر، ليتمظهر ذلك في سلوكاتك من ود للآخرين وحيوية في الإقبال على الحياة والتفاؤل عند المصائب و المرونة في الفعل و القدرة على التكيف مع البيئة المحيطة. إنها سمات الشخصية السعيدة كما نتمناها، إنها القدرة على النهوض و على التحكم في مجرى حياتنا باعتبار كل واحد منا فاعلا فيها و ليس منفعلا بها.
هل تعلم أنني أنا أنت، إنه المجال المشترك، نحن نتذوق جميعا أحاسيس الحب و الكره، الألم و اللذة، اليأس و السعادة، العطاء و الحرمان، الخوف و الطمأنينة. هذا ما نجده بداخلنا ككهف يسوده الظلام، و الغريب أن كل شرارة تنير المكان وتمنحنا الرغبة في الكشف عن المزيد.
و لأن السعادة هي غاية الوجود الإنساني، بوجودها تتغذى آمالنا وتؤجج مشاعرنا الإيجابية وتتقوى رغبتنا في الحياة بلو تعطي معنى لها من أجل الاستمرار و من أجل غد أفضل.
نتكلم عن الإحساس بالسعادة كما عشقناه عشناه وكما تعلمنا أن نعيشه بالكثير من الإيمانبالقدر دون تغييب لقدرات البشر.
ألا ترى معي اليوم أننا لم نستطيع تحقيق المعادلة الصعبة، وأصبحت السعادة أمرا مستعصيا؟
ألا ترى معي أنه يحق لنا أن نقف عند مشروع أهم هو صناعة الإنسان، كمشروع يخدم الإنسانية بدل الضياع في البحث عن مصادر خارجية لإسعاده؟
نسمع من بعض الفقراء شكواهم أن المال يحل كل مشاكلهم وسبب في سعادتهم، مع أنه قد يكون سبب معاناة البعض وتخبطهم في الكثير من المشاكل. كما قد ينهار العاطل باحثا عن فرص العمل كمصدر لسعادته مع أنه قد يكون مصدر تعاسة بعض العمال وسبب للضغوطات النفسية و الروتين اليومي. وقد يتألم العاقر باحثا عنذرية تحمل اسمه من بنون غير أن الكثير من يعتبرهم مصدر هم وغم وشقاء…
و كأننا نعرّف السعادة بأنها هي ما نحتاج إليه لينقلب من جديد إلى مصدر للشقاء، فكيف يخرج الإنسان من مأزق السعادة المستعصية؟ ألا يمكن أن يكون جوهرها هو الرضا و التقبل للذات كنوع من المصالحة معها بحسن التواصل والإنصات لأحاسيسها وذبذبات الحياة بداخلها بصوت الأمل والإيمان بالقدر ومواجهة الامتحان بالصبر والعمل باستمرارية وانضباط؟
كان على الذات أن تعرف أنها مصدر آلامها كلما تشبثت بمعتقداتها السلبية عن نفسها وعن مصيرها، وعن كونها مفعولا بها وأن الحظ يقفل أبوابه في وجهها…
لقد جعلت صفات الذات إذن من السعادة أمرا مستعصيا، فكان عملها عليها شهيد، عندما استكانت للأحداث وجعلتها توجهها حيث أرادت ولم تترك مجالا لإرادتها وقدراتها لتوجيه الأحداث، ولم تتعجل الفرج بالعمل المستمر، ولم تطرق باب الأمل ليزودها بحب الحياة وحب الذات وضرورة الاستمرار.
لقد اعتقد الإنسان أن البحث عن السعادة هو بحث عن قطعة ماس في الأعماق، والحقيقة أن بدرة الماس موجودة بذواتنا، هي ما يجعلنا نصمد أمام الأمواج العاتية ونشعر بنشوة الغطس في أعماقها ونجيد السباحة ونطفو فوقها ونصل لبر الأمان بالكثير من الأمل وبالتحقيق الدائم للسعادة الموعودة.

 

شارك برأيك

تعليق

لا تعليقات

اترك رد